السيد ابن طاووس
262
مصباح الزائر
فَأَلْفَيْتُهُ كَاسِفَ اللَّوْنِ ، ظَاهِرَ الْحُزْنِ ، وَدُمُوعُهُ تَنْحَدِرُ كَاللُّؤْلُؤِ ، فَقُلْتُ : يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ، مِمَّ بُكَاؤُكَ ، لَا أَبْكَى اللَّهُ عَيْنَيْكَ ؟ فَقَالَ لِي : « أَ وَفِي غَفْلَةٍ أَنْتَ ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ قُتِلَ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ » ؟ فَقُلْتُ : يَا سَيِّدِي ، فَمَا قَوْلُكَ فِي صَوْمِهِ ؟ قَالَ : « صُمْهُ مِنْ غَيْرِ تَبْيِيتٍ ، وَأَفْطِرْهُ مِنْ غَيْرِ تَشْمِيتٍ ، وَلَا تَجْعَلْهُ صَوْمَ يَوْمٍ كَمَلًا ، وَلْيَكُنْ إِفْطَارُكَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ بِسَاعَةٍ عَلَى شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ ، فَإِنَّهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ تَجَلَّتِ الْهَيْجَاءُ عَنْ آلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، وَانْكَشَفَتِ الْمَلْحَمَةُ عَنْهُمْ وَمِنْهُمْ فِي الْأَرْضِ ثَلَاثُونَ صَرِيعاً فِي مَوَالِيهِمْ يَعِزُّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ مَصْرَعُهُمْ ، وَلَوْ كَانَ فِي الدُّنْيَا يَوْمَئِذٍ حَيّاً لَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ هُوَ الْمُعَزَّى بِهِمْ » . قَالَ : وَبَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ بِدُمُوعِهِ ، ثُمَّ قَالَ : « إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ لَمَّا خَلَقَ النُّورَ خَلَقَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي تَقْدِيرِهِ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَخَلَقَ الظُّلْمَةَ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ ، يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سِنَانٍ ، إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَأْتِي بِهِ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ أَنْ تَعْمِدَ إِلَى ثِيَابٍ طَاهِرَةٍ فَتَلْبَسَهَا وَتَتَسَلَّبَ » . قُلْتُ : فَمَا التَّسَلُّبُ ؟ قَالَ : « أَنْ تُحَلِّلَ أَزْرَارَكَ ، وَتَكْشِفَ عَنْ ذِرَاعَيْكَ كَهَيْئَةِ أَصْحَابِ الْمَصَائِبِ ، ثُمَّ تَخْرُجُ إِلَى أَرْضٍ مُقْفِرَةٍ ، أَوْ مَكَانٍ لَا يَرَاكَ أَحَدٌ ، وَتَعْمِدُ إِلَى مَنْزِلٍ خَالٍ ، أَوْ فِي خَلْوَةٍ حِينَ يَرْتَفِعُ النَّهَارُ ، فَتُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ تُحْسِنُ رُكُوعَهُنَّ وَسُجُودَهُنَّ ، وَتُسَلِّمُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ ، تَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ( الْحَمْدَ ) وَ ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) ، وَفِي الثَّانِيَةِ ( الْحَمْدَ ) وَ ( الْإِخْلَاصَ ) . ثُمَّ تُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ تَقْرَأُ فِي الْأُولَى ( الْحَمْدَ ) وَسُورَةَ ( الْأَحْزَابِ ) ، وَفِي الثَّانِيَةِ ( الْحَمْدَ ) وَسُورَةَ ( الْمُنَافِقِينَ ) ، أَوْ مَا يَتَيَسَّرُ مِنَ الْقُرْآنِ ، ثُمَّ تُسَلِّمُ وَتُحَوِّلُ وَجْهَكَ نَحْوَ قَبْرِ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَتُمَثِّلُ لِنَفْسِكَ